الثعلبي

170

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

قروء والجمع الكثير أقراء وقرء ، واختلف الفقهاء في القروء ، فقال قوم : هي الحيض ، وهو قول علي وعمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري ومجاهد ومقاتل بن حيّان ، ومذهب سفيان وأبي حنيفة وأهل الكوفة ، واحتجوا بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للمستحاضة : « دعي الصلاة أيام أقرائك » [ 141 ] « 1 » والصلاة إنما تترك في حال الحيض ، يقول الراجز أنشده تغلب عن ابن الأعرابي : له قروء كقروء الحائض « 2 » يعني أنّ عداوته تهيج في أوقات معلومة كما أن المرأة تحيض بأوقات معلومة ، فمن قال بهذا القول قال : لا تحلّ المرأة للأزواج ولا تخرج من عدّتها ما لم تنقض الحيضة الثالثة ، يدل عليه ما روى الزهري عن ابن المسيّب أن عليا قال في الرجل يطلق امرأته واحدة أو ثنتين : [ لا ] يحل لزوجها الرجعة إليها حتّى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحلّ لها الصلاة . وقال آخرون : هي الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة ومذهب مالك والشافعي وأهل المدينة ، واحتجوا بقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - لمّا طلّق ابن عمر امرأة وهي حائض - لعمر : مره فليراجعها ، فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك ، وتلا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله عزّ وجلّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ العدّة الأطهار من الحيض وقرأ فَطَلِّقُوهُنَّ لتتم عدتهنّ ، وهو أن يطلقها طاهرا لأنها حينئذ تستقبل عدّتها ، ولو طلقت أيضا لم تكن مستقبلة عدّتها إلّا بعد الحيض ، ويدلّ على تلك القروء والأطهار قول الشاعر وهو الأعشى : وفي كل عام أنت جاشم غزوة * تشد لأقصاها عزيم غزائكا مورثة مالا وفي الحي رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا « 3 » والقرء في هذا البيت الطهر ، لأنّه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع اقراءهنّ أي أطهارهن ، ومن قال بهذا القول قال : إذا حاضت المرأة الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلّت للزواج ، يدلّ عليه ما روى الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة ، قالت : إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلّت للأزواج ، قالت عمرة : وكانت عائشة تقول : القرء : الطهر ليس الحيض . ابن شهاب قال : سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول : ما أدركت أحدا من فقهائنا إلّا وهو يقول هذا ، يريد قول عائشة الأقراء الأطهار ، وإنما وقع هذا الاختلاف لأن القرء في اللغة

--> ( 1 ) سنن الدارقطني : 1 / 220 . ( 2 ) لم نجدها بهذه الألفاظ ، انظر : جامع البيان للطبري : 1 / 484 ، وتفسير القرطبي : 1 / 448 ، وغريب الحديث : 1 / 34 . ( 3 ) جامع البيان للطبري : 2 / 603 ، والصحاح للجوهري : 1 / 64 .